الصالحي الشامي
62
سبل الهدى والرشاد
أيضا قال : إنا كنا نعد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس ، ( رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم ، مائة مرة ) ، وفي لفظ : التواب الغفور . وروى ابن أبي شيبة ومسلم والأربعة عن الأغر بن مزينة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله ، وفي لفظ : وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ) ، وفي رواية : سمعته يقول : ( توبوا إلى ربكم ، فوالله إني لأتوب إلى ربي عز وجل مائة مرة في اليوم ) . وروى محمد بن يحيى بن عمر برجال ثقات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات قبل موته بسنة : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ) ، قالت فقلت : يا رسول الله لقد لزمت هذه الكلمات ، قال : ( إن ربي عهد إلي عهدا أو أمرني بأمر ، فأنا أتبعه ) ، ثم قرأ : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) حتى ختم السورة . تنبيهات الأول : استشكل وقوع الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم ، وهو معصوم ، والاستغفار يستدعي وقوع معصية ، وأجيب بأجوبة منها : أنه رأى الاشتغال بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة ومخالطة الناس ، والنظر في مصالحهم ، ومحاربة عدوهم تارة ، ومداراته أخرى ، وتأليف المؤلفة ، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله تعالى ، والتضرع إليه ، ومشاهدته ، ومراقبته ، ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي ، وهو الحضور في حظيرة القدس ، ومنها : أن استغفاره تشريع لأمته ، أو من ذنوب لأمته ، فهو كالشفاعة لهم . وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي لما كانت روح النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل في الترقي إلى مقامات القرب تستتبع القلب ، والقلب يستتبع النفس ، ولا ريب أن حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس ، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في العروج ، فمما نهضت به الحكمة إبطاء حركة القلب لئلا تتقطع علاقة النفس عنه ، فيبقى العباد محرومين فكان صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الاستغفار ، لقصور النفس عن ترقي القلب ، ومنها : أن في الاستغفار والتوبة معنى لطيفا ، وهو استدعاء لمحبة الله تعالى ، فإحداثه الاستغفار والتوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله تعالى . الثاني : الغين ، قال شعبة : سألت الأصمعي ما معنى ليغان على قلبي ؟ فقال : عمن يروى ذلك ؟ قلت : عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو كان قلب غير النبي صلى الله عليه وسلم لفسرته ، وأما قلبه صلى الله عليه وسلم فلا أدري ، كان شعبة يتعجب منه ، وسئل أبو عبيدة عنه فلم يفسره . وقال الجنيد : لولا أنه حال النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمت فيه ، ولا يتكلم على حال إلا من كان